عمر السهروردي

563

عوارف المعارف

لأن المحب يدل لمحبوبه ولمحبوب محبوبه ، وينشد : لعين تفدى ألف عين وتتقي * ويكرم ألف للحبيب المكرم وهذا الحب الخالص هو أصل الأحوال السنية وموجبها ، وهو في الأحوال كالتوبة في المقامات ، فمن صحت توبته على الكمال تحقق بسائر المقامات ، من الزهد والرضى والتوكل على ما شرحناه أولا ، ومن صحت محبته هذه تحقق بسائر الأحوال من الفناء والبقاء والصحو والمحو وغير ذلك . والتوبة لهذا الحب بمثابة الجسمان لأنها مشتملة على الحب العام الذي هو لهذا الحب كالجسد ، ومن أخذ في طريق المحبوبين وهو طريق خاص من طريق المحبة يكمل فيه ويجتمع له روح الحب الخاص مع قالب الحب العام الذي تشتمل عليه التوبة النصوح ، وعند ذلك لا يتقلب في أطوار المقامات ، لأن التقلب في أطوار المقامات والترقي من شيء منها إلى شيء طريق المحبين ، ومن أخذ في طريق المجاهدة من قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا . . . « 1 » ، ومن قوله تعالى : . . . وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ « 2 » أثبت كون الإنابة سببا للهداية في حق المحب ، وفي حق المحبوب صرح بالاجتباء غير معلل بالكسب ، فقال تعالى : . . . اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ . . . « 3 » . فمن أخذ في طريق المحبوبين ، يطوى بساط أطوار المقامات ، ويندرج فيه صفوها وخالصها بأتم وصفها ، والمقامات لا تقيده ولا تحبسه بترقيه منها وانتزاعه صفوها وخالصها ، لأنه حيث أشرقت عليه أنوار الحب الخاص خلع ملابس صفات النفس ونعوتها ، والمقامات كلها مصفية للنعوت والصفات النفسانية ، فالزهد يصفيه عن الرغبة ، والتوكل يصفيه عن قلة

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 69 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 13 . ( 3 ) سورة الشورى : الآية 13 .